جسر روصو: جسر ”دارمنكور Darmancours“ ؟

ثار سجال قبل أسابيع، على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، كان موضوعه: مَنِ الشخصية الأجدر بأن يسمى عليها جسر روصو الرابط بين ضفتي نهر السنغال، الذي تقرر الشروع فيه قريبا ؟
وقد تابعت السجال المذكور فلم أعدم طرافة ومتعة وفائدة في كل ما قرأت، وأعترف أن كل الاقتراحات التي قُدِّمت لا تخلو من وجاهة، ولن يجد أحد في نفسه حرجا لو سمي الجسر باسمها، نظرا للأدوار الدينية والسياسية والاجتماعية التي اضطلعت بها تلك الشخصيات، وكان لها أبلغ الأثر في تقوية الأواصر بين شعوب الضفتين، يستوي في ذلك الأمير محمد لحبيب ولد أعمر ولد المختار، والأميرة اجمبت امبودج، ولمرابط حمدي ولد الطالب أجود، والشيخ سعد بوه ولد الشيخ محمد فاضل ولد الشيخ مامين…
وقد رأيت بعد أن هدأ السجال أن أدلي بدلوي في الموضوع، فأقترح أن يسمى “جسر دارمنكور”.
ودارمنكور أو دارمنكو لقب يطلق في منطقة الضفة اليسرى لنهر السنغال على جميع مكونات وحلفاء قبيلة “إدوالحاج”، الذين أسسوا قرية وادان في القرن السادس الهجري، وانتشروا من هناك في أنحاء موريتانيا جنوبا وشرقا، ونزل جزء منهم بالسنغال عبر شرقي البلاد ومالي في القرن 10هـ. وعُرِفَتْ بطونهم في السنغال بألقاب “سُگُفَّرَ”، “جَخُمْبَ”، “گُمْبَلَّ”، “سَادِ”، “هَمَّرْ”، “جيري” و”جمسي”، وتجمعهم تسمية “درمانكو”، وتعني الاتحاد أو الجماعة المتناصرة فيما بينها، نقلا عن بعض الأسلاف رواية عن عدد من النسابة الوولوف والسرير.
ومن قرى وأحياء إدوالحاج في السنغال: انگيلمان، انقليل، يلي، سگط، كرباتي، خدي (قرب كبمير)، انگنبل، انجاخنب، ودان.
ومن القرى التي تحمل أسماء بطون حاجية: طورى درمانكو، تاندينا، تامگونه، سادي.
ومما يدل على قدمهم هناك أن المختار امباي الحاجي كان أول من أسس قرية كادي-انياندول Gadde-Nyandoul بكايور في القرن السادس عشر الميلادي، في عهد السلطان أماري انكور Amri Ngor (1593 – 1549)، حسب ما رواه كادن Gaden  ونقله عنه وأكده ويب Webb.
كما كان باب جاخمبه الحاجي مستشارا إسلاميا لآخر سلطان (دامل – Damel) لكايور، ولبعض الوقت كان قاضيا في تيواون.
وهكذا انتشر الإسلام على أيدي هؤلاء في أرجاء السنغال، غامبيا، غينيا بيساو ومالي وأصبح الديانة الأولى في هذه البلدان.
وقد كان مركزهم الرئيس في السنغال (وادان جامبور) هو الوحيد الذي تعرض للحرق مرتين 1856 و1858 على يد قوات الجنرال فيدرب لمناصرتهم المجاهد: مَ باه في ثورته ضد الوجود الفرنسي في السنغال وكان من نتائج ذلك أنْ حول الفرنسيون بعض تبادلهم التجاري عن موانئهم في الضفة اليمنى التي كانت تحظى بالنصيب الأوفر من هذا التبادل.
وبهذا الخصوص يمكن الرجوع لرسالة المثقفين السينغاليين إلى عمدة سينلوي يحذرونه من إعادة رفع تمثال الجنرال فيدرب بسبب سوء تاريخه، معددين جرائمه في بلدهم.
كما بذلت جماعات دارمنكور جهدا حسب إمكاناتهم في التصدي للمخبرين والمتسللين الفرنسيين، ومنعوهم من العبور عن طريقهم والاختلاط مع الساكنة تحت أي دعوى، كما تدل على ذلك قصة الشمس المختار الثاني مع “رينيه كاييه”.
ولذا أرى أن من بين التسميات المناسبة للجسر الرابط بين ضفتي نهر السنغال “جسر دارمنكو”، نظرا للدور الكبير الذي لعبته هذه المجموعة طيلة القرون الأربعة الماضية في الرفع من مستوى التواصل بين الشعبين الموريتاني والسنغالي على جميع المستويات: الثقافية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية، ولا أدل على ذلك من أنها كانت أول من أسس موانئ ونقاط تبادل تجاري على النهر في القرن الخامس عشر الميلادي، وأول من أسس المحاظر في العديد من قرى وأحياء السنغال.
ولمزيد من التفاصيل يمكن الرجوع للمراجع التالية:
‏-    Voyage de Le Sieur Lacourbe 1685 – 1710
‏-    Nouvelle relation de L’Afrique Occidentale : tome premier صفحة 244 وما بعدها.Baptiste Labat”
‏-    The evolution of Idaw al hajj commercial Diaspora 16601850 « James L A Webb »
‏-    Journal d’un voyage à Tombouctou et à Jenné dans L’Afrique volume “1”  
صفحة “206”.

Comments are closed.

الأرشيف