في تأبين الفقيد بحام ولد محمد الأقظف رحمه الله

لكل عائلة قصة تعتبر المحور في حياتها والمسار الأهم الذي شكل مستقبلها.

حسب الروايات الشفهية جرى نقاش قبيل معركة النيملان بين المجاهدين، ارتأى البعض ان تؤجل المعركة وأن يكون الاشتباك على غفلة من الفرنسيين ليحدث تأثير المفاجأة واختلفت الآراء وكان تدخل محمد الأقظف ولد  الشيخ ولد الجودة واضحا وصارما: 

انا جئت طلبا للشهادة.

حدث ما تمنى وارتقى شهيدا برصاصة مقبلا غير مدبر.

تولى بعده ابنه سيدي المشيخة واستشهد هو الآخر في سجن للفرنسين بمدينة غاوة بدولة مالي حاليا.

كان بحام ولد سيدي ولد محمد الأقظف طفلا وقت وفاة والده، وبعدها بسنوات قليلة فقد والدته مسعودة منت لمحيميد.

يروي شقيقه الأكبر المرحوم شيخنا أنه ذهب إليه في المدرسة ليعلمه بوفاة والدتهما، فرآه يغالب دموعه وأحس من ذلك الوقت بمشاعر الأبوة نحوه وأنه المسؤول عنه، وفعلا كان له الأب والأم والراعي والمربي.

شغل بحام وظائف عدة مع بداية الدولة الموريتانية، من بينها حاكم بوكي وكان هو من انزل العلم الفرنسي ورفع العلم الموريتاني لأول مرة في المدينة ومديرا للإذاعة وواليا لولاية البراكنة وتكانت ووزيرا للعدل والتجارة والتعليم ووزيرا للصحة والعمل ووزيرا للدفاع وسفيرا في المغرب ووزيرا للداخلية.

الجميل أن هذا الرجل الذي تقلد أهم الوظائف في الدولة الموريتانية عاش معظم حياته في بيت متواضع في نهاية حي توجونين لم تدخله الكهرباء الا في آخر فترة سكناه.

لم يكن المال مما يشغل باله، ولم تكن مظاهر الرفاه تهمه من بعيد أقريب، كانت اهتماماته من نوع آخر تماما.

قرأت في حديث لأنس رضي الله عنه في وصف تواضع الرسول عليه الصلاة والسلام واهتمامه بقضاء حوائج أضعف الناس:

” كَانَتِ الأَمَةُ مِن إِمَاءِ المَدِينَةِ لَتَأْخُذُ بِيَدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَتَنْطَلِقُ بِهِ حَيثُ شَاءَتْ”

أعرف هذه الصفة في بحام، تجده يبذل ماله ويلتقي أكبر المسؤولين ليحل مشكلة لابن حارس في الحي، أو البحث عن رفع طبي للخارج لشخص قصده لا تجمعه به صلة أو معرفة، ويتنقل من آخر توجونين صباحا ليعود في المساء لأن أحدهم قصده في وساطة لحل مشكلة، وإذا سألته عنه تجده لا يعرف اسمه العائلي.

عاش بحام للآخرين زاهدا في متاع الدنيا ومظاهرها، واضعا نصب عينيه خدمة المحتاج وجبر الخواطر الكسيرة. 

 لم يكن يميز في تعامله بين صغير او كبير أو صاحب منصب أو عامل بسيط، كانت اخلاقه تشمل الناس جميعا بدرجة واحدة.

لم يسمع منه أحد كلمة جارحة تجاه أحد، وفي أحاديثه كنت تراه ينصف من اختلف معهم ويذكر لهم صفاتهم الحميدة، لم يكن في قلبه مثقال ذرة من حقد أو ضغينة تجاه أي كان.

قام بواجبه تجاه وطنه بالعمل الدؤوب في كل مفاصل الدولة والتعفف عن المال العام، وركب ظهر المهالك، وقضى السنوات في زنازين السجون لأجل موريتانيا، وشكلت حياته تجسيدا للقيم النبيلة، وربى الأبناء والبنات بالمال الحلال، وقيم المروءة، وحب الوطن، وزرع فيهم انهم أبناء شهداء لا يحق لهم بأي شكل أن يقصروا في مكرمة ولا واجب، فحلت بهم البركة وشكلوا مثالا للأسرة الناجحة.

رحل جدي عند دنيانا وهو لا يمتلك سوى بيت في لكصر ساهمت فيه العائلة بعد ان صعبت عليها رعايته في توجنين البعيدة، والكثير من المحبة في قلوب كل من عرفوه، وقصص تحتاج لأن تروى عن جهاد وشهداء وسجون، وعن سمو علاقة الأخوة والمحبة التي جسدتها رعاية شيخنا لأخيه الأصغر بحام بما فيها من تضحيات وألام وافراح وبناء وطن بدموع ودماء جيل يستحق الاحترام.

اللهم ارحم بحام وشيخنا والرعيل الأول   من بناة موريتانيا واحفظ برعايتك بقيتهم.

كتبه محمد عبد الرحمن ولد ودادي

الأقسام: 

Comments are closed.

الأرشيف