في ظلال الحروف / المختار السالم

أحتاج أحيانا إلى “حمل بعير من الوجوه” لأخبركَ يا سادنَ الظلالِ وساقيها وشاربها، أنَّ بيني وبين مدينتِكَ هذه سبعين قريةَ كبريتٍ وثلاثينَ بحراً من الزيتِ.. وحكايةً لا تكتملُ!
أحتاج جلدًا آخرَ للاحتراقِ، فجلديَّ الذي ولدْتُ بهِ افتقدَ آخر قطرة دم منذُ “عام الشوك”؛ وقصتي بذرة رماد.
كانَ طائرُ “عاصمةِ الريح” قد عثرَ عليَّ فجرَ يومٍ شاتٍ كشفاهِ الكواعب، فأخبر الناسَ عن قوم يستغضبونَ البحْرَ ولا يسترضونه بغريقةٍ؛ بل “يلقونَ الغرابيلَ على البَحْرِ” فتمسكُ وتسْمكُ، وكل ثلاثةٍ منهمْ بينهمْ شاعرٌ سمَّاكٌ.. هل الجدارُ أمِ الكنزُ لو كانَ “أيُّوبُ” التقى “العبد الصالح”!
بصَّرتُ ذاتَ ظلٍّ، أنني عثرتُ على “محبرةٍ متنقلةٍ”، وإذا بمراهقة هاوية تكشفني على الملأ باعتباري “جلدَ تيس” لا يتحملُ الفتقَ مرتين، وتاريخي مع الفروسيةِ لا يتجاوز “طعنة شَعْـثَاء”.
كما في قتامةِ الصَّخَبِ، في تقاطع الحالاتِ، في سُيُوْلةِ الغبارِ، أفزعني “وصول المدينة” إلى “كهفيَّ” الذي اجترحتُـهُ ما بين “إلى” و”حتى”!
لقد رأيْتُني في مناماتٍ كثيرةٍ أزرعُ الأعْشَابَ، وأنشرُ سجادتي وهي بقيةٌ من صُوفِ العنقاءِ، وأحررُ وعائي من اللَّيل، ولقد استيقظت حين سمْعتُ الضيْفَ الذي نزل بالحي يلقي “شعراً ثقيلاً”، ثمَّ أخْبرَ النَّاسَ بقصةِ النيزكِ الذي أحرق ثيابهُ في البيداءِ، وكيف تحولَ ضوؤه الأزرقُ إلى “أذْنِ حمار”.
وقد نهضَ كذابٌ آخر حلَّ بالحي قبلَ عامينِ، وألقى خطبةً يـَحُثُّ فيها على “حذو الجرادِ”، وجّرَّدَ “مطالعَ” تنسفُ الوتد والطنبَ، وردَّ الشَّاةَ إلى “الخبب”.
وتخاصمَ الضيفانِ في معنى “الجعيرة” و”ترياقِ المَـيْسَمِ”.
وحين غفوتُ رأيتُ الحمامَ يراقصُ الصَّخْرةَ، وكانت تدورُ، ويعلو صمتها، فقلتُ للحادي إنَّ أجنحة المعدنِ أسرعَ، وكشفتُ للفجواتِ سرَّها وسيرتها غربَ الإزار، وحدثـْـتها عن الشوقِ والطوقِ، وعن “القَلَقَ الفَاقِعِ”، ورنينِ الحضور في صحراءِ الخلاخل.. وعن المنقبينَ؛ والسائحين في بلاد الله لعلَّ من بينهم من ينبتونَ عشبة الخلودِ أو يغرقون في الكأس المقدسةِ بين أرْجِلِ الغيمةِ؛ التي تزهرُ بغيابنا في “الوهجِ الباهِتِ”.
وأيُّ وهج يأسرُ مشَاعِرَنا بالخُـفُوتِ!… لا يحدثُ ذلكَ إلا للواقِفِ بذاكرةٍ مكانيةٍ، كالتي يحتفظُ بها “البِئْرِ الأعوجُ”، البلدةُ الغرائبية، والتي فاضت فجأةً وهم يحفروها فخرجَ منها اللبنُ المنتفضُ كأنهُ ريش طائرٍ ينفش للإقلاع.. ثمَّ تدريجيا تحول إلى ماء، أو كأنَّهُ مِرْجَلُ الزُّبدةِ.. يفيضُ بياضاً ثمَّ تسمرُّ ويصفو الدهنُ، والماءُ أغلى من الدُّهْنِ الحـُـرِّ، وخاصة في الحـَـرِّ.
أومرةً تواترَ القومُ أنَّ “الأعْوَجَ” انتقلَ من سهل إلى سهلِ آخر ولا تفسير لذلك، غيرَ أن يكونَ كرامة وليٍّ شقَّ عليه المسِيرُ.
ولكنَّ الحادثةَ الأخرى الغريبةَ هي عثوري على “السَّعيْدة” عند البئر “الأعوج”، وإلى يوم الناسِ هذا لم يعرف أحدٌ كيف حدث ذلك.. والناسُ نسيتهُ بألف شيطان أخرس وخطيب.
لقد خذلتني “السَّعيْدةُ” مراتٍ كثيرةٍ، مرة؛ حينَ أريتها مكان “الشجرة العجيبة”، التي تنكمشُ أوراقها بمجردِ لمسها.. ولتصبح تلك الشجرةُ جزءً أصيلاً من مشروع “الساحرة” التي حكمتنا بالودع.
ومرة أخرى؛ كانت حينَ تركتني وحيداً بعد الغروبِ في فيفاء “أنويْزن”، فتهت ثلاثة أيامٍ، وعندما عثروا عليَّ، كانوا على قناعة بإفادتها أنيِّ غافلتها وهربت منتهزاً انشغالها بمعركة مع أميرة الجن.
ومرة ثالثة؛ خذلتني حين بشرتها بقدوم زوجها من موسم “الميرة”، تبرأت من نذرَها لي ولم أحصل على شيء.
اليوم.. لا أثر لما عُرفُ بالبئرِ “الأعوج”، و”السَّعيْدةُ” ذِكرى سعيدةً حتى وهي “كومة من التجاعيدِ والهمِّ والغمِّ والإثمِ”، والتعبير لها، وكانت ذات زمانٍ “آية اللحم والشَّحمِ”.
أقف بالديار!.
يستعيدُ المكانُ مشروعيتهُ في لـَحـْمةِ النسيانِ بين أظافرك وخواطرك، ليصبحَ الشاعر غنيمةً للزُّهدِ الـمُــكْتـَنِـزِ.
كل شيء ممكن؛ وفي زكاة المكانِ يصبحُ كفُّكً صَاعاً، ونِصابكُ رصيْفاً على هامشِ نفق! هو النايُ الفارغُ بالرئاتِ، لا يشبهُ وجهَ نغْمتي، والصاحبُ يجرحُ وريدهُ بالقصيدةِ.
أخالني أقلَّ جرأةً وأعدمَ حيلةً.. هنا ألقي التحيةَ على من كانتْ تنشدني صفاتها في ذروةِ ذاتها… “الدموع المتقشفة”؛ وسيقانُ الرمادِ الباردةِ، الفراغاتُ تستفرغها أنامل وعيونٌ. في أي لحظة قد يُصبحُ الفراغُ حضارة. الرسمةُ تجعلُ الفهمَ أسْهَلَ.
ليُخْبرني طائرُ الطَّقْسِ عن شتاءٍ يكتـُبُ مذكراتِهِ على أوراقٍ خَضْرَاءَ… فكلُّ قائلةٍ حذامي، وإذا القصائدُ بَـيَّـتْـنَ وسْوَسَتي وكلامي، فربما أشفى من صُداعي وألجم لجامي، ولربما أنزعُ قناعي أو ألـثُـم لثامي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

اخترنا لكم

——————————–

الأخبار الحائزة على أفضل تقييم

  • No posts liked yet.

آخر تقييم

أحدث المقالات

الرأي

أهداف ريم برس

ريم برس منصة إخبارية موريتانية تفاعلية تهدف إلى تنقية الحقل الإعلامي الموريتاني اعتمادا على الإشراك الفعلي للقارئ في تقييم المحتوى الرقمي وفهرسة الأخبار والمصادر بصفة تفاعلية وشفافة. 

الموقع الحالي عبارة عن نسخة تجريبية قيد التطوير، ونرحب بملاحظاتكم واقتراحاتكم حول المشروع.

اتصلوا بنا على البريد rimpresse@souhoufi.com أو على الهاتف أو الواتساب على الرقم 22418586.

تسجيل الدخول والخروج

ريم برس